إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
237
زهر الآداب وثمر الألباب
وفي الرعد والبرق قام خطيب الرّعد ، ونبض عرق البرق ، سحابة ارتجزت « 1 » رواعدها ، وأذهبت ببروقها مطاردها ، نطق لسان الرعد ، وخفق قلب البرق ، فالرعد ذو صخب ، والبرق ذو لهب ، ابتسم البرق عن قهقهة الرعد ، زأرت أسد الرعد ، ولمعت سيوف البرق ، رعدت [ سيوف ] الغمائم ، وبرقت ، وانحلت عزالىّ السماء فطبقت ، هدرت رواعدها ، وقربت أباعدها ، وصدقت مواعدها . كأن البرق قلب مشوق ، بين التهاب وخفوق . ويتصل بهذه الأنحاء ما حكاه عمر بن علي المطوعى قال : رأى الأمير السيد أبو الفضل عبيد اللَّه ابن أحمد - أدام اللَّه عزه ! - أيام مقامه بجوين أن يطالع قرية من قرى ضياعه تدعى نجاب على سبيل التنزّه والتفرّج ، فكنت في جملة من استصحبه إليها من أصحابه ، واتّفق أنا وصلنا والسماء مصحية ، والجوّ صاف لم يطرز ثوبه بعلم الغمام ، والأفق فيروزج لم يعبق به كافور السحاب ؛ فوقع الاختيار على ظلّ شجرة باسقة الفروع « 2 » ، متّسقة الأوراق والغصون ، قد سترت ما حواليها من الأرض طولا وعرضا ، فنزلنا تحتها مستظلَّين بسماوة أفنانها « 3 » ، مستترين من وهج الشمس بستارة أغصانها ، وأخذنا نتجاذب أذيال المذاكرة ، ونتسالب أهداب المناشدة والمحاورة ؛ فما شعرنا بالسّماء إلا وقد أرعدت وأبرقت ، وأظلمت بعد ما أشرقت ، ثم جادت بمطر كأفواه القرب فأجادت ، وحكت أنامل الأجواد ومدامع العشاق « 4 » ، بل
--> « 1 » ارتجزت : أراد صوتت ( م ) « 2 » باسقه : عالية مرتفة ( م ) . « 3 » السماوة : السماء وهو السقف - والأفنان : جمع فنن ، بالتحريك ، وهو الغصن ( م ) « 4 » المدامع : جمع مدمع ، وهو هنا مكان الدمع .